محمد أبو زهرة

3452

زهرة التفاسير

اللّه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم . قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا قال صلى اللّه عليه وسلم الجنة ، فقالوا نربح البيع لا نقيل ، ولا نستقيل . وهذه بلا ريب صور حسية للعقد ، وإن كانت الآية مصورة ، لتسليم المؤمنين أنفسهم للّه تعالى ، العلى الحكيم ، الغنى الحميد ، ويروى أن أعرابيا سمع هذه الآية ، فقال : من يقول هذا ؟ قالوا : اللّه . قال : بيع مربح . وقد بين اللّه تعالى ثمرة البيع أو آثاره التي يتحقق فيها ما يجب على البائع ، فإن عليه أن يقدم المبيع ، فقال سبحانه وتعالى : يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فالزمخشرى ومن تبعه ، على أن الفعل هنا بمعنى الأمر ، أي عليكم أن تقاتلوا في سبيل اللّه ، وقال إن ذلك كقوله تعالى : . . . وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ . . . ( 11 ) [ الصف ] . ونقول إن الإتيان بالصيغة الخبرية بمعنى الطلب كثير في القرآن ، وهو من بلاغة القرآن ؛ لأن المؤدى أنه كان الطلب فاستجاب بقوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ . . . ( 228 ) [ البقرة ] ، وقوله تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ . . . ( 233 ) [ البقرة ] . والوجوب هنا له قرائن شاهدة ؛ لأن المقاتلة في سبيل اللّه تعالى من آثار العقد المبرم بين اللّه تعالى والمؤمنين إذا باعوا أنفسهم وأموالهم إليه ، فهو المالك ، وما يجئ بعد ذلك من تصرف المالك فيما يملك ، والمقاتلة لا تكون في سبيل اللّه تعالى إلا بشرطين - أولهما - إخلاص النية ، فلا يقاتل لذات الغلب أو الفروسية ، إنما يقاتل لتكون كلمة اللّه تعالى هي العليا ، فمن قاتل لغير ذلك لا يكون قتالا في سبيل اللّه تعالى .